المقريزي
555
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
الوحوش المختلفة الأنواع ما لا يعلمها إلا اللّه تعالى لكثرتها ، فلما انحصرت في الحلقة ودقّت الطّبول وزعقت البوقات ونقرت الكوسات بحيث امتلأت أقطار الأرض من دويّها ، دهشت تلك الوحوش لهول ما سمعت وانضمّ بعضها إلى بعض من كثرة الخوف وشدّة الذّعر والفزع ، فنادى الأطفال من أولاده وأولاد الأمراء أن يرموا تلك الوحوش ، فتبادروا لرميها وأتباعهم تتناولها وتيمور ينظرهم ويعجب بهم ، وإنما أراد بذلك أن يشجّعهم ويمرّنهم على سفك الدّماء ويجرّئهم على الإقدام . وأخبرني ابن خلدون : أنه جاءه قوم من عسكره وهو معه خارج دمشق ، فحالما وقفوا بين يديه أمر بهم ، فقتلوا عن آخرهم ، وسبب ذلك أنه بعثهم في جماعة لنقب موضع في قلعة دمشق وهو يحاصرها ، فسقط علواء النّقب عليهم ، فهلكوا ونجا منهم هؤلاء وأتوه ليعلموه فقال لهم : ولم لا وقفتم حتى هلكتم أنتم أيضا وقتلهم ، ولهذا ومثله كان عسكره لا ينهزم منهم أحد ، فإنّ من انهزم قتله . وكان يحمل إليه البلخش من معدّية ببلخشان والفيرزوج من نيسابور وكازرون وخراسان ، والياقوت من الهند ، والألماس من السّند ، واللؤلؤ من هرموز ، واليشتم والمسك من الخطا ، والذّهب والفضّة من سائر الأقطار ، فحوى من ذلك ما لا يدخل تحت حصر ولا يعلم مقداره إلا اللّه تعالى . وأنشأ بسمرقند عدة بساتين وقصورا جليلة سمّى واحدا : إرم ، وآخر : زينة الدّنيا ، وآخر : جنّة الفردوس ، وآخر : بستان الشمال ، وآخر : الجنّة العليا . وبنى في كل قصر من هذه القصور موضعا صوّر فيه هيئة مجالسه وأشكال صورته تارة ضاحكة وأخرى عابسة ، وهيئة محاضراته ومجالس صحبته مع الملوك والأمراء والسّادات والعلماء ومثول الملوك بين يديه ووفودها من الآفاق إليه ، وحلق مصائده ووقائعه في الهند والدّشت والعجم وسائر البلاد وهيئة انتصاره وكيف انهزم أعداؤه ،